Translate

Thursday, July 31, 2014


12 Years a Slave



قد أفهم أن يعتقد الرجل الأبيض بتفوقه، وأن يتحدث عن "الرسالة" التى يحملها إلى الأمم الأكثر تخلفا، فيما عُرف – كولونياليّا – بعبء الرجل الأبيض (The White Man’s Burden) .. قد أفهم ذلك رغم زيفه، لكننى عجزت أبدا عن فهم قدرته على مد هذا الخط على استقامته؛ لتنمو فى عقله تلك القناعات الشريرة تجاه الرجل الأسود؛ إنه يصرح على لسان أحد شخوص فيلم Steve McQueen الأخير : Twelve Years a Slave بأن مقارنته بالسود لا تختلف مطلقا عن مقارنته بقرود البابون! هكذا؟! فقط لاختلاف لون البشرة؟!
لتكون أسود فى أمريكا ما قبل الحرب الأهلية، عليك ألا تتميز .. عليك ألا تفكر، أو تقرأ، أو تكتب، أو – بالأخص – تتأوه فى لحظات نشوتك الجنسية؛ هذه النقطة الأخيرة بالذات – أراها – مهينة إلى أبعد حد.



الفيلم مقتبس عن قصة حقيقية للأسود Solomon Northup، الرجل الحر الذى اختطفه أبيضان؛ لبيعه – عبدا – فى أسواق النخاسة التى انتهت به إلى مزارع نيو أورليانز، وما لاقاه من عسف امتد على مدار اثنى عشر عاما، ثم عودته – فى الأخير – إلى حيث ينتمى، إلى حياته فى نيويورك. وكما تقول إحدى شخوص صلاح عبد الصبور، فـ "هذا تبسيطٌ ساذج/يلتذ به الشعراءُ الحمقى والوعاظُ الأوغاد/حتى يُخفوا بمبالغةٍ ممقوتة/وجهَ الصدق القاسى"، وأنا إذ لا أشعر بالرغبةِ فى الالتذاذ كحمقى عبد الصبور وأوغاده؛ أدعوكم لمشاهدة الوقائع الكابية كما يعرضها الفيلم، لكننى أحذر – فى الوقت نفسه – المتفرجَ الذى يُعامل السينما معاملته لوسائط التسلية أن هذه التجربة الكئيبة من تجارب المشاهدة لن تروقه على الإطلاق، أما الذين يقض مضاجعهم الشر الذى فى الملكوت، فليتهيأوا لبكاءٍ جديد! قلت فليكن العدل فى الأرضِ، لكنه لم   يكن
 صبح العدل ملكا لمن جلسوا فوق عرش الجماجم بالطيلسان - الكفن! ورأى الرب ذلك غير حسن!

لقد كان على السادة أن يجردوه – ابتداء – من اسمه؛ فالاسم هوية، وأن يمنحوه آخر جديدا وتاريخا جديدا؛ ليصبح Platt، العبد الهارب من جورجيا! وعلى مدار الرحلة، نشاهد الجَلْد، والمهانة، والاغتصاب، والأصفاد، وكل ما يتفتق عنه ذهن الرجل الأبيض فى كيفية التصرف فى ملكيته (Property)، وليس العبد – فى الأخير – سوى "ملكيته".



لا يتحدث الفيلم عن البشاعات التى يمكن للإنسان أن يرتكبها؛ إذ من شأن تصوير الأمر على هذه الشاكلة أن يعمم القضية على نحو مفرط، فيستوى الجلاد والضحية، بل يناقش البشاعات التى يمكن للإنسان "الأبيض" أن يرتكبها، ليس فى حق كل أحد، ولكن فى حق السود بالأخص. والفيلم لا يوارى فى عرض هذه البشاعات، وإنما ينقلها بحِرفيّةٍ مؤلمة ستدفعك فى لحظة ما إلى التساؤل عما قد يبرر كل هذا العبث، لو أن هناك ما قد يبرر كل هذا العبث!
ولتكون أسود فى أمريكا ما قبل الحرب الأهلية، عليك أن تفكر فى شىء واحد: البقاء! لكنك حين تكون حرا بالأساس تحاول العودة إلى العائلة، فإن مجرد البقاء لن يعنى شيئا بالنسبة لك، وستريد الحياة. ولأن هذه الأخيرة تعنى أشياء مغايرة تماما لنوعية المعيشة التى عاشها السود؛ فلم يكن غريبا أن ترجوه Patsey وتعرض عليه قطع النقود القليلة؛ ليقوم لها بـ "معروف" إغراقها فى الماء.



إنها تسأله أن يحقق لها ما لم تملك جرأة الإقدام عليه، وحين يحدثها عن جريرة ذلك وعن الإله، تقول إنه لن يذهب إلى الجحيم؛ لأنه ما من إله! هذه المرأة التى تجمع – فى اليوم الواحد – من قناطير القطن ما لا يجمعه عدة رجال، لم يشفع لها ذلك ولا صمتُها عن انتهاكات سيدها الجنسية حين خرجت إلى مزرعةٍ مجاورةٍ للحصول على صابونة استحمام! الواقعة التى تَمزّق ظهرُها على إثرها بالسوط!

ولأن McQueen/المخرج يريد لنا أن نعرف ما عاناه هؤلاء، فإنه يصور كل القساوات البدنية والاختلاجات النفسية التى توحى بيأس الشخوص المطبق، فاضحا بعض الصور الهوليودية الزائفة التى تحكى عن طيبة السادة البيض واحتوائهم للخدم الأصدقاء!

مداخلة: تجربة التعرض لكل هذه الشرور مزلزلة للإيمان، لكنك تعود فتتساءل عن الأتباع الأولين للرسل فى أزمنة الاضطهاد: كيف مروا بإيمانهم نقيا وسط كل هذا الوحل! هذا السؤال الذى أرجو المتعجرفين الذين يعرفون كل شىء أن يمتنعوا عن إجابته!

ربما جاء الخلاص الأخير على يد رجل أبيض آمن بتساوى رقاب البشر، وبأن العربىّ لا يَفضُل الأعجمىّ إلا بالتقوى، التقوى الحقيقية - لا تلك التى يظهر عليها آخر مُلاك المزارع التى ينتهى إليها Solomon فى رحلته، حين يسوّغ إجرامه فى حق السود بنصوص الكتاب المقدس، أقول ربما جاء الخلاص الأخير على يد رجل أبيض جازف بمراسلة أصدقاء الحر/العبد المختطَف فى نيويورك، لكن ما عدا ذلك من مواقف دل على خطأ الوثوق برجلٍ أبيض، حتى لو كان المالكَ الذى يهديه قيثارة، والذى لا يخرج فى النهاية عن أعراف الجنوب فينقل ملكيته؛ لأنه لا يتحمل خسارته كاستثمار!



لقد خففَتْ طريقة Tarantino النزِقة فى مقاربة موضوعاته من حدة الوحشيات التى تضمنها فيلمه Django Unchained بحق الرجل الأسود، أماMcQueen فيقارب مادته بجدية موجعة لن تُفلح فى التخلص سريعا مما تخلفه من أثر. إنه يقترب – مثلا – من Solomon المعلق من رقبته بينا تصل قدماه بالكاد إلى الأرض الموحلة، ويركز طويلا على معاناته ككَمٍّ مهمل تدور الأحداث من حوله وكأنه ليس معلقا هناك كمسيح مصلوب لا يبكيه أحد. إنه يقصد إلى إظهار معاناة السود النفسية والجسمانية، والحقيقة أنه عرف كيف يفيد من مختلف أدواته – كمخرج – فى الوصول إلى نقطته، خصـوصـا مع تـوفـر نـص جيـد، وأداءات تمثيليـة بعضهـا استثنـائـى يـزيـد من القيمـة الكليـة للعمـل، وسيكـون تجـاوزا ألا نشيـر إلى أدائـىّ Chiwetel Ejiofor و Lupita Nyong'o على وجه التحديد.
سيُدفع بأن القسوة التى تبديها بعض الشخوص البيضاء ناجمةٌ عن خضوعهم – دون تفكير – إلى النظام المجتمعى الذى يعيشون داخله، فى إعادةِ طرحٍ للفرضية التى تأسست عليها أطروحة Hanna Arendtبخصوص الضابط النازىّ السابق Adolf Eichmann، لكننا سندفع – بالمقابل – بوعى الشخوص وإدراكها لنوعية الأفعال التى تمارسها بحق العبيد، هذا الوعى المتكىء على نظرتها الدونية للسود من جهة، وعلى شبقها للربح المادىّ من جهة أخرى، حتى إن توسلات المرأة النائحة – طويلا – لتفريقها عن أبنائها لا تحرك أى شكل من أشكال التعاطف الإنسانى فى نفس النخاس، رغم محاولة الشفاعة الفاشلة التى يُقدِم عليها واحدٌ من السادة البيض.

إن كل ضربة سوط تخز فى لحم العبيد تعيد تذكيرنا بمأساوية الحالة البشرية، وربما تقلقنا من المصير، مُحدثةً الأثر الذى أشار إليه أرسطو فى "فن الشعر": الشفقة والخوف .. إن كل ضربة سوط تعيد تذكرينا بكل هذا الشر الذى فى الملكوت! قلت فليكن الحب فى الأرضِ، لكنه لم يكن أصبح الحب ملكا لمن يملكون الثمن! ورأى الرب ذلك غير حسن.

No comments:

Post a Comment